بقلم د. حارث بن علي العسيري
ليالي رمضانية
الليلة الخامسة – ١٤٤٧هـ
كان بعض السلف إذا دخلت الليالي الأولى من رمضان اجتهدوا في العمل، فإذا بلغت الليلة الخامسة بدأوا يسألون أنفسهم: هل تغيّر فينا شيء؟ أم أننا ما زلنا نصوم بأجسادنا فقط؟
فالليلة الخامسة ليست رقماً، بل ميزان. خمسة أيام مضت، خمسة مواسم من المغفرة عُرضت، خمسة أبواب من الرحمة فُتحت، فكم باباً دخلنا؟
رمضان لا يُقاس بطول النهار، بل بعمق الأثر. ولا يُعرف بامتناع الجسد، بل بانكسار القلب.
في الليلة الخامسة يبدأ القلب يلين، تهدأ ضوضاء الدنيا قليلاً، وتعلو همسة القرآن. تبدأ النفس تدرك أن هذا الشهر ليس ضيفاً عابراً، بل رسالة متجددة.
كان رسول الله ﷺ إذا دخل رمضان تغيّر حاله، وكان جبريل عليه السلام يدارسه القرآن كل ليلة، وكأن السماء تقول للأرض: اقتربي… هذا شهر الوصل.
الليلة الخامسة تسألنا: كيف علاقتك بالقرآن الآن؟ هل هو ورد تؤديه، أم نور تستضيء به؟ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ليس المطلوب كثرة الصفحات، بل حياة الآيات في صدرك.
ويتكرر في هذه الليالي اسم يملأ القلب طمأنينة: الغفور. ليس غفرانه لمن كثُر عمله فقط، بل لمن صدق رجوعه. ربما أذنبت كثيراً، لكن باب الله لا يُغلق. وربما تأخرت، لكن الطريق لا ينتهي.
الليلة الخامسة فرصة لإعادة ترتيب الداخل: صلح مع الله، صلح مع النفس، صلح مع من خاصمناك. فالقلوب الثقيلة لا تحلق في رمضان.
رمضان ليس سباقاً مع الناس، بل عودة صادقة إلى الله. من سبقك اليوم ربما يتأخر غداً، ومن تأخر قد يسبق بنيته.
اجعل لليلتك نصيباً من قيام خاشع، دعاء صادق، دمعة خفية، صدقة لا يعلمها إلا الله. فالسر في هذا الشهر أن الأعمال الصغيرة فيه تكبر، وأن الخطوات القليلة تُضاعف، وأن الهمسات الخفية تُرفع.
اللهم في ليلتنا الخامسة أصلح قلوبنا قبل أعمالنا، واجعل القرآن ربيع صدورنا، واغفر لنا ما مضى، وبلّغنا تمام الشهر ونحن في زيادة قرب ونور.