بقلم د.حارث بن علي العسيري
ليالي رمضانية
الليلة الثالثة – ١٤٤٧هـ
كان الصحابة في أوائل عهدهم بالصيام، يتعلمون كيف يضبطون بطونهم كما يضبطون قلوبهم، ولم يكن التشريع يومًا مجرد أوامر جامدة، بل كان رحمة تنزل مع الحدث.
جاء رجل إلى النبي ﷺ في رمضان، وقد بدا عليه الاضطراب، وقال: «هلكتُ يا رسول الله!» قال: «وما أهلكك؟» قال: «وقعتُ على امرأتي وأنا صائم.»
لم يُعنِّفه النبي ﷺ، ولم يُشهر به، ولم يُثقل عليه باللوم، بل فتح له باب العلاج؛ قال: «هل تجد رقبة تعتقها؟» قال: لا. قال: «هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا أستطيع. قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟» قال: لا.
وبينما هم كذلك، أُتي النبي ﷺ بسلة من تمر، فقال له: «خذ هذا فتصدق به.» قال الرجل: أعلى أفقرَ مني يا رسول الله؟! فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من بيتي. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك.»
هذه ليست فقط مسألة فقهية في كفارة الجماع في نهار رمضان، بل درس في فقه التوبة؛ الصيام ليس عصمة من الخطأ، لكنه مدرسة للرجوع السريع، والشريعة لا تهدف إلى إحراج العبد، بل إلى إصلاحه.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾
وردك القرآني هو حبل النجاة اليومي؛ صفحة بعد الفجر، صفحة بعد العصر، صفحة قبل النوم… القليل الدائم يصنع الكثير.
أحكام الصيام ليست قيودًا… بل جسور عودة.
اللهم يا واسع المغفرة، اجعل صيامنا صيام من يخشاك سرًا وعلانية، وأيقظ في قلوبنا سرعة الرجوع إليك، ولا تجعل بيننا وبينك حاجز كبرياء أو يأس، وبلّغنا ليلة بدر ونحن أقرب إليك مما كنا.