بقلم: لانا مراد
مُنْذُ مُدَّةٍ وَأَنَا أُرَاقِبُ مَا يَحْدُثُ حَوْلِي عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ.
لَيْسَ فَقَطِ التِّرِينْدَاتِ، بَلِ الطَّرِيقَةَ الَّتِي نَرْكُضُ بِهَا خَلْفَهَا، وَكَأَنَّنَا نَخَافُ أَنْ نَتَخَلَّفَ، أَوْ نَخَافُ أَنْ نَكُونَ خَارِجَ الْمَشْهَدِ، خَارِجَ الضَّوْءِ، خَارِجَ الإِشَارَةِ الَّتِي تَقُولُ: «أَنَا مَوْجُودٌ».
نُقَلِّدُ.
لَا لِأَنَّنَا نُؤْمِنُ بِمَا نَفْعَلُ، بَلْ لِأَنَّ غَيْرَنَا فَعَلَ.
نُكَرِّرُ الْحَرَكَةَ نَفْسَهَا، وَالْكَلِمَةَ نَفْسَهَا، وَالنُّكْتَةَ نَفْسَهَا، وَالْفِكْرَةَ نَفْسَهَا، حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ مَعْنَاهَا، وَحَتَّى نَفْرُغَ نَحْنُ مَعَهَا.
الْغَرِيبُ أَنَّنَا لَا نُقَلِّدُ لِنَفْهَمَ…
نُقَلِّدُ لِكَيْ نُرَى.
وَكَأَنَّ الرُّؤْيَةَ صَارَتْ بَدِيلًا عَنِ الْقِيمَةِ،
وَكَأَنَّ عَدَدَ الْمُشَاهَدَاتِ صَارَ مِقْيَاسًا لِلصِّدْقِ،
وَكَأَنَّ الضَّجِيجَ صَارَ أَهَمَّ مِنَ الْمَعْنَى.
لَا أَحَدَ يَسْأَلُ: لِمَاذَا أَفْعَلُ هَذَا؟
مَاذَا يُضِيفُ لِي؟
مَاذَا يَأْخُذُ مِنِّي؟
لِأَنَّ السُّؤَالَ مُتْعِبٌ…
وَالتَّفْكِيرَ بَطِيءٌ…
وَالْتَّيَّارَ أَسْرَعُ مِنْ أَنْ نُوَاجِهَهُ وَحْدَنَا.
مِنَ الأَسْهَلِ أَنْ نَسْبَحَ مَعَ السَّيْلِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ يَقُودُنَا إِلَى مَكَانٍ لَا يُشْبِهُنَا.
نَحْنُ لَا نَحْتَاجُ الْيَوْمَ إِلَى أَفْكَارٍ جَدِيدَةٍ بِقَدْرِ مَا نَحْتَاجُ إِلَى شَجَاعَةِ أَنْ نَكُونَ مُخْتَلِفِينَ.
أَنْ نَقِفَ قَلِيلًا خَارِجَ الصَّفِّ، أَنْ نَتَحَمَّلَ ثِقْلَ أَلَّا نَكُونَ مِثْلَ الْجَمِيعِ.
لَكِنَّ هَذَا مُكْلِفٌ.
مُكْلِفٌ نَفْسِيًّا، وَاجْتِمَاعِيًّا، وَحَتَّى عَاطِفِيًّا.
أَنْ تَكُونَ وَاعِيًا يَعْنِي أَنْ تَرَى أَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُ، وَأَنْ تَشْعُرَ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْقَلْبُ أَحْيَانًا.
وَلِهَذَا نَخْتَارُ السَّطْحَ.
نَخْتَارُ الْخِفَّةَ السَّرِيعَةَ بَدَلَ الْعُمْقِ الثَّقِيلِ.
نَخْتَارُ الضَّحِكَ الْجَاهِزَ بَدَلَ الْفَرَحِ الْحَقِيقِيِّ.
نَخْتَارُ أَنْ نُسَلِّيَ أَنْفُسَنَا بَدَلَ أَنْ نَفْهَمَ أَنْفُسَنَا.
وَلَا بَأْسَ… التَّسْلِيَةُ لَيْسَتْ خَطِيئَةً.
نَحْنُ نَحْتَاجُهَا لِنَرْتَاحَ، لِنُخَفِّفَ، لِنَلْتَقِطَ أَنْفَاسَنَا.
لَكِنَّ السُّؤَالَ لَيْسَ: هَلْ نُسَلِّي أَنْفُسَنَا؟
السُّؤَالُ: هَلْ نَخْتَبِئُ دَاخِلَ هَذِهِ التَّسْلِيَةِ؟
هَلْ صَارَتِ الشَّاشَةُ مَكَانًا نَلُوذُ إِلَيْهِ مِنَ الْحَيَاةِ بَدَلَ أَنْ تَكُونَ نَافِذَةً عَلَيْهَا؟
هَلْ صِرْنَا نَعِيشُ اللَّحْظَةَ لِكَيْ نُصَوِّرَهَا، لَا لِكَيْ نَحُسَّهَا؟
هَلْ نَخْتَارُ الْكَلِمَاتِ لِأَنَّهَا تُشْبِهُنَا، أَمْ لِأَنَّهَا رَائِجَةٌ؟
شَيْئًا فَشَيْئًا، نَصِيرُ نُسَخًا مُتَشَابِهَةً، بِمَلَامِحَ مُخْتَلِفَةٍ فَقَطْ.
نَلْبَسُ اللُّغَةَ نَفْسَهَا، نَضْحَكُ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا، نَحْزَنُ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا، وَحَتَّى نَتَمَرَّدُ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا.
تَمَرُّدٌ مُعَدٌّ مُسْبَقًا.
اخْتِلَافٌ ضِمْنَ الْقَالِبِ.
وَيَبْقَى فِي الدَّاخِلِ شَيْءٌ صَغِيرٌ يَهْمِسُ:
«هَذَا لَيْسَ أَنَا بِالْكَامِلِ… هَذَا لَيْسَ كُلِّي.»
لَكِنَّنَا نُسْكِتُهُ، لِأَنَّ الْعَوْدَةَ إِلَى الذَّاتِ تَحْتَاجُ صَمْتًا،
وَالصَّمْتَ لَمْ يَعُدْ مَرْغُوبًا فِي عَالَمٍ يَعِيشُ عَلَى الضَّجِيجِ.
نَخَافُ أَنْ نَجْلِسَ مَعَ أَنْفُسِنَا طَوِيلًا، لِأَنَّنَا قَدْ نَسْمَعُ أَسْئِلَةً لَا نَمْلِكُ لَهَا إِجَابَاتٍ جَاهِزَةً.
فَنَعُودُ إِلَى الشَّاشَةِ.
وَلَسْتُ أَكْتُبُ هَذَا لِأُدِينَ أَحَدًا.
أَنَا وَاحِدَةٌ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، أَغْرَقُ فِيهِ أَحْيَانًا وَأُقَاوِمُهُ أَحْيَانًا أُخْرَى.
أَكْتُبُ فَقَطْ لِأَتَذَكَّرَ…
وَأُذَكِّرَ:
أَنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ مَا نَرَاهُ، بَلْ مَا نَعِيشُهُ.
أَنَّ الْقِيمَةَ لَيْسَتْ فِي أَنْ نُشَاهَدَ، بَلْ فِي أَنْ نَكُونَ حَقِيقِيِّينَ وَنَحْنُ غَيْرُ مَرْئِيِّينَ.
أَنَّ الْمَعْنَى لَا يَصْنَعُهُ الْعَدَدُ، بَلِ الصِّدْقُ.
وَفِي النِّهَايَةِ، لَيْسَ السُّؤَالُ:
هَلْ نَعِيشُ خَلْفَ شَاشَةٍ؟
بَلْ:
هَلْ مَا زَالَ فِينَا مَا يُرِيدُ أَنْ يَعِيشَ خَارِجَهَا؟