بقلم .د طلق المسعودي
د . طلق المسعودي
الحمدُ لله حمدًا يملأ الآفاق نورًا، ويغمر القلوب سرورًا، الحمدُ لله الذي جعل العفو نهرًا ينعش الأرواح، وجعل الرحمة جناحًا يحلق بكُل مُنكسر مكلوم، وجعل بعد كل ضيقٍ مخرجًا، وبعد كل دمعةٍ بُشرى.
في يومٍ سيظل محفورًا في الذاكرة، تنفست فيه الأرواح الصعداء كالصُبح إذا تنفس بعد ليلٍ ثقيل طويل، كتب الله نهايةً مضيئة لقصة أثقلت القلوب، وبداية فرجٍ طال انتظاره لأسرةٍ لم تفتر عن الدعاء، ولم تيأس من الرجاء. يومٌ تجلّت فيه مكارم الأخلاق حين اختار أولياء الدم، جزاهم الله خير الجزاء، طريق العفو والتنازل عن القصاص عن أخينا إبراهيم معيوف المسعودي، فكانوا بكرمهم كالغيث إذا هطل، يحيي الأرض والقلوب معًا، بل ويحيي الأرواح ايضًا وذلك مصداقًا لقوله تعالى (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)
العفو ليس ضعفًا، بل هو قمّة القوة، والصفح ليس تنازلًا، بل هو كنزٌ لا يناله إلا من عرف قيمة الأجر، وذاق حلاوة التقوى. ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾… آيةٌ تتجسّد اليوم في قلوبٍ عظيمة، لم تزدها القدرة إلا تواضعًا، ولم يزدها الألم إلا رحمة،وقدّموا درسًا خالدًا في الإنسانية.
ثم يأتي الشكر… بعد شكر الله، لكل يدٍ امتدت، ولكل قلبٍ دعا، ولكل صوتٍ حمل النداء، ولكل من بذل وسعى وتبرّع ونشر. كنتم – بعد الله – الجسر الذي عبرت عليه البِشرى، والنسمة التي أنعشت قلوبًا أرهقها الانتظار. لولاكم، ما اكتملت لوحة الفرج، ولا ارتفعت راية الأمل من جديد، فطوبى لكم أيها العظماء الرحماء الأجلاء.
ولعلّ أجمل مشاهد هذا اليوم، تلك اللحظة التي انفرج فيها وجه والدة السجين…
أم إبراهيم التي كانت كزهرةٍ ذابلة أعاد إليها المطر روحها، دموعها لم تكن دموعًا عادية؛ كانت قطرات شكر، وارتعاشات حياة، وارتداد نبضٍ ظنّته قد خمد. لقد عادت إليها الدنيا دفعةً واحدة، فعانقت الهواء وكأنها تعانق ابنها، ورفعت يديها للسماء وكأنها تحتضن الفرج نفسه، سجدت وشكرت ودعت وابتهلت لأنكم تستحقون الشكر وخير شُكرٍ هو دعوةً صادقة في طهر الغيب.
في هذه الأزمة اجتمع الناس على معنى واحد: أن الرحمة لا تموت، وأن الخير في هذه الأمة لا ينقطع، وأن الفزعة الصادقة قادرة – بإذن الله – على أن تغيّر مصائر، وتعيد البسمة لوجوهٍ غاب عنها الفرح طويلًا، قادرة – بإذن الله- أن تمنع يُتم طفل وحُزن أم وفجيعة زوجة.
نسأل الله أن يجعل هذا العفو في ميزان حسنات أولياء الدم، وأن يرفع قدرهم، ويعظم أجرهم، ويعوّضهم خيرًا في الدنيا والآخرة. ونسأله أن يكتب لكل من شارك وسعى ودعا أجرًا لا ينقطع، وبِشارة لا تزول.
الحمدُ لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الحمدُ لله الذي علّمنا أن العفو حياة، وأن الرحمة بابٌ من أبواب الجنة، وأن القلوب إذا اجتمعت على الخير وأخلصت النية، نزل الفرج من حيث لا يُحتسب.
والله وليّ الحمد والشكر.