بقلم أ/ مساعد بن هليل الهذلي
تمضي حياة الإنسان على خطٍّ دقيق تتقاطع فيه الخيارات والاحتمالات، ويغشاه يقينٌ واحد لا يتبدّل: أن الأمر كله بيد الله. وفي تفاصيل الحياة، صغيرها وكبيرها، يظل الإنسان محاطًا بثنائية واسعة لا تنتهي، ثنائية تختصرها كلمتان تحملان من المعاني ما يفوق حروفهما: “قد… وقد”.
فالإنسان في مسار عمره قد يكون سعيدًا أو شقيًا؛ فالسعادة فضل يهبُه الله لمن يشاء، والشقاء امتحان يُبتلى به من يشاء، وفي الحالتين تتجلى الحكمة الإلهية.
وقد يكون غنيًّا أو فقيرًا؛ فالغنى ليس دليلَ رضا، والفقر ليس علامةَ غضب، بل كلاهما بابٌ للاختبار وميزانٌ للصبر والشكر.
وقد ينال وظيفةً أو يحرم منها، فالأرزاق تُقدَّر وتُقسم قبل أن يطأ الإنسان هذه الدنيا، يسعى لها بجهده، لكن تحقيقها أو صرفها عنه بيد الله وحده.
وقد يملك منزلًا أو يبقى دون ذلك، فليس امتلاك المسكن معيارًا للسعادة، ولا فقده سببًا للتعاسة؛ إنما هي أرزاق تتوزع بحكمة لا يحيط بها عقل.
وقد يتزوج أو لا يتزوج، وقد يُرزق أبناءً أو يُصرف عنه هذا الرزق، فتختلف نصيب الحياة بين شخص وآخر، بينما يجمعهم جميعًا قضاءٌ لا يُخطئ، وقدر لا يتبدل.
هذه الحياة القائمة على “قد وقد” لا تُربك قلب المؤمن، بل تزيده طمأنينة؛ لأنه يدرك أن ما عند الله لا يُنال بالقلق وإنما بالسعي والتوكل. فهو يعيش متوازنًا بين الاحتمالات، لا يعلّق قلبه على نتيجة واحدة، ولا ينهار بفوات أمر، ولا يتكبر عند بلوغ أمنية.
يتعايش مع التقلبات، يؤمن بأن كل شيء في هذه الدنيا قد يحدث أو قد لا يحدث، وأن الحكمة الإلهية فوق فهمه، وأن نصيبه سيأتيه في الوقت الذي كتبه الله له بلا تقديم ولا تأخير.
غير أنّ من بين جميع احتمالات الحياة يظل هناك أمرٌ واحدٌ لا يحتمل وجهين ولا يُصاغ بصيغة “قد وقد”، وهو الموت.
الموت وحده هو الحقيقة المطلقة التي لا خيار فيها ولا احتمال، ولا يستطيع أحد ردَّه أو تأجيله أو اختيار زمانه. يأتي حين يأذن الله، مرة واحدة، وبلا تكرار.
وهكذا، تظل الحياة كلها دائرة من الاحتمالات…
وحده الموت هو الحقيقة الثابتة التي لا احتمال فيها ولا اختلاف عليها