بقلم /ريم بنت مطلق القرشي
بعض الاضطرابات النفسية قد تُخفَّف بالابتعاد عن الضوضاء وكل ما يُرهق الإنسان ويستنزف طاقته. فالعقل، حين يُحاط بالضجيج وكثرة المؤثرات، يفقد قدرته على الصفاء، وتبدأ المشاعر بالاضطراب.
لكن هناك حالات نفسية لا يعالجها الصمت وحده، بل تحتاج إلى ما هو أعمق من ذلك؛ تحتاج إلى سجدة صادقة، وعودة هادئة إلى الله. فالسجود ليس مجرد عبادة، بل لحظة تسليم وراحة لا تمنحها الكلمات، ومن فوائد السجود ماقاله الله تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في محكم آياته :” وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) الأية – سورة الحجر-
السجود يمد الإنسان بطاقة روحية تبعث فيه الشعور بالصفاء الروحي، والاطمئنان القلبي، والأمن النفسي، ويساعد على التخلص من القلق الذي يشكو منه المرضى النفسيون.
ويتعافى الإنسان حين يكون صافي الذهن، قليل الكلام، بعيدًا عن الجدل، ليست كل العزلة هروبًا، أحيانًا تكون العزلة وعيًا وحماية للنفس.
كما أن الفراغ، حين يُترك بلا معنى، يتحوّل إلى أرض جذباء لكثرة التفكير والقلق. فالمرض النفسي في كثير من الأحيان لا يأتي فجأة، بل يتسلل من فراغ داخلي، ومن عقل لم يُشغل بما يعود عليه بالنفع.
والتعافي النفسي لا يكتمل دون الاحتواء. فالمريض النفسي يتعافى حين يجد من يستمع إليه بصدق، ويحاوره دون حكم، ويحتويه دون تقليل من ألمه. غير أن هذا الاحتواء يتطلب من الطرف الآخر أن يكون مستعدًا نفسيًا وعقليًا، صافي الذهن، حتى يستطيع أن يمنح الطمأنينة لمن حوله، لا أن ينقل إليه ثقلًا إضافيًا.
وحين يجد أصحاب المعاناة النفسية من يسأل عنهم، ويصغي لهم، ولو بكلمة أو اهتمام صادق، يشعرون بسعادة وطمأنينة أكبر، ويخفّ عنهم ثقل ما يحملونه في داخلهم.
وعندما يثقل عليك الشعور بالضيق أو الإرهاق النفسي، فافتح لنفسك باب الحركة والتأمل. ألم يقل الله تعالى:
﴿سيروا في الأرض﴾
فالسير ليس انتقالًا بالجسد فقط، بل راحة للعقل وتجديد للروح. اخرج، تأمل السماء، الأشجار، البحر… فالنظر إلى الطبيعة يخفف القلق.
والبحر خصوصًا مساحة شفاء للنفس؛ صوته، اتساعه يمنح الإنسان شعورًا بالسكينة، وكأنه يذكّره بأن همومه، مهما عظمت، أصغر من هذا الامتداد الواسع.
فالسكينة لا تُصنع من الضجيج، بل من توازنٍ بين الهدوء، والاحتواء، والعبادة، والوعي بالنفس. وحين يجمع الإنسان بين صفاء القلب، وهدوء العقل، والالتجاء إلى الله، يبدأ التعافي… ولو بخطوات بطيئة.