بقلم /أ. فرح المالكي
«لماذا؟ هل أنا مجنون؟»
والجواب بكل بساطة: لا، بالطبع.
العيادة النفسية ليست حكرًا على من فقد عقله، بل هي مساحة آمنة لكل إنسان شعر يومًا أن ضغوط الحياة أثقلت كاهله، وأن الأبواب بدأت تضيق في وجهه.
فالقلق، والتوتر، والحزن المتراكم، وكثرة التفكير قبل النوم، كلها مشاعر إنسانية طبيعية، لكنها تحتاج إلى توازن، وفهم صحيح، وتفريغ صحي. وحين تتجاوز هذه المشاعر حدّها الطبيعي، قد تنعكس سلبًا على حياة الإنسان، لتصبح العناية بالصحة النفسية ضرورة لا يمكن تجاهلها.
ورغم ذلك، لا يزال كثيرون يتوجّسون من فكرة زيارة العيادة النفسية، مع أنها لا تختلف في جوهرها عن أي عيادة طبية أخرى. ولو سُئل المختصون في الطب النفسي، لأجمعوا على حقيقة واحدة:
الناس لا يراجعون العيادات النفسية لأنهم «مجانين»، بل لأنهم مرّوا بتجارب مرهقة، وفقدوا الأداة أو الخطوة التي تعيد إليهم توازنهم النفسي.
يوضح الدكتور أحمد السبيعي (استشاري نفسي) أن أغلب المراجعين أشخاص طبيعيون تعرّضوا لضغوط طويلة، وكبتوا مشاعرهم لفترات ممتدة، حتى بدأت تؤثر في نومهم، ومزاجهم، وعلاقاتهم بمن حولهم. ومع اضطراب هذه العلاقات، قد يختل التوازن النفسي والاجتماعي للفرد، وتتسع دائرة التأثير إلى محيطه.
ومن جانبها، تشير الدكتورة نورة العتيبي (أخصائية نفسية) إلى أن كثيرًا من الناس يتأخرون في فهم مشاعرهم، وبعضهم يكون واعيًا بالمشكلة لكنه يكابر على حساب صحته النفسية. مؤكدة أن العلاج النفسي لا يُعد اعترافًا بالفشل، بل خطوة شجاعة ووقاية للنفس قبل أن تُنهك أكثر.
ويتفق المختصون في مجال الصحة النفسية على أن العلاج يقوم على الاستماع والفهم، لا على الأحكام أو اللوم. فهو ليس أوامر ولا إملاءات، بل مساعدة الإنسان على ترتيب أفكاره، وتعلّم كيفية التعامل مع مشاعره بطريقة صحية ومتوازنة. والهدف الأساسي منه هو راحة الإنسان، لا تغييره.
في العيادة النفسية يتعلّم الإنسان:
كيف يُسمّي مشاعره بدل كبتها.
كيف يتعامل معها دون جلد للذات أو خوف من نظرة الآخرين.
كيف يعزّز ثقته بنفسه، ويستعيد توازنه الداخلي.
ومع مرور الوقت، يكتشف أن فكرة «الجنون» ليست سوى وهم، وأنه إنسان طبيعي مرّ بضغط يفوق طاقته، فاختار أن يبحث عن الحل الصحيح.
الخلاصة:
العيادة النفسية لا تمثّل ضعفًا أبدًا، بل وعيًا وشجاعة.
ومن يعتني بنفسه اليوم، يعيش غدًا أكثر هدوءًا، ويتخذ قراراته بثبات وفي الوقت المناسب.