عين الوطن _مها بنت عيفان العتيبي
في عالمنا اليوم، لم تعد المدن مجرد طرق وجسور ومبانٍ، بل أصبح الغرض الأساسي منها صناعة المكان، أو بمعنى آخر توفير أماكن تتميز بمقومات مختلفة وتغرس في نفوس سكانها الإحساس بالانتماء. فالمدينة الناجحة في المفهوم المعاصر هي التي تحتضن الناس وتمنحهم الشعور بالراحة وتقدم لهم مساحات ومرافق متكاملة، وبيئة ينعمون فيها بالسعادة والتفاؤل والإيجابية.
تشير الدراسات إلى أن مدى نجاح الأماكن العامة في المدن والمناطق الحضرية يعتمد على ثلاثة عوامل أساسية، تتلخص في إمكانية الوصول إليها والاستفادة من خدماتها، وقدرتها على توفير سبل الراحة المناسبة، والبُعد الجمالي الذي تضيفه إلى المكان. وعندما تتكامل هذه العوامل، تتحول تلك الأماكن إلى قيمة مضافة ترتقي بجودة حياة السكان والزوار.
وفي مكّة المكرمة يكتسب هذا المفهوم بُعداً جديداً، خاصة وأن المدينة يسكنها أكثر من 1.5 مليون نسمة، وتعدّ العدّة لمرحلة جديدة تستقبل فيها 30 مليون معتمر سنوياً بحلول عام 2030م، فالقدرة على استقبال هذا العدد الهائل من الزوار كل عام تتطلب إنشاء مساحات حضرية حديثة قادرة على تلبية احتياجات ومواكبة تطلعات الزوار خلال رحلتهم الإيمانية في أقدس بقاع الأرض.
وهنا يبرز مشروع “بوابة الملك سلمان” الذي تطوره شركة “رؤى الحرم المكي”، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، كنموذج رائد لصناعة المكان وإنشاء مساحات تلبّي هذه التوقعات، إذ يمتد المشروع على مسطحات بناء بمساحة إجمالية تبلغ نحو 12 مليون متر مربع بجوار المسجد الحرام، ليكون وجهة متكاملة ومعياراً جديداً للمشاريع الكبيرة في حجمها وتأثيرها.
ومن المقرر أن يقدم مشروع بوابة الملك سلمان مجموعة من الوحدات السكنية وخيارات الضيافة والتجزئة والمساحات المخصصة للمصلين بالقرب من الحرم المكي الشريف، حيث سيضم نحو 50 ألف وحدة سكنية، وما يصل إلى 16 ألف غرفة فندقية، وأكثر من 200 ألف متر مربع من متاجر التجزئة، إضافة إلى مساحات تتّسع لما يقارب 900 ألف مصلٍّ لخدمة السكان والحجاج والمعتمرين.
ويشمل المخطط الرئيسي للمشروع كذلك ترميم مساحة تقارب 19 ألف متر مربع من المواقع التراثية والتاريخية، وتوفير شبكة شاملة من الطرق المخصصة للمشاة، إضافة إلى مناطق مفتوحة ومسارات خاصة للمساعدة على إدارة الحشود بكفاءة والتخفيف من الازدحام.
ولأن درجات الحرارة في مكة قد تتجاوز 45 درجة مئوية أثناء أشهر الصيف، سيشمل تصميم المشروع أروقة مظللة وحدائق تساعد على التخفيف من شدة الحرارة. وستتضمن التصاميم لمسات معمارية هندسية تقليدية تعكس الطابع العمراني الخاص بمكة المكرمة. وعلاوة على ترميم المباني التراثية والتاريخية، سيوفر المشروع مسارات مخصصة للمشاة تربطها بالأحياء المجاورة ووسائل النقل، لتمكين السكان والزوار من الوصول إلى المنطقة بسهولة.
ويراعي تصميم المشروع أهمية الحفاظ على الهوية الثقافية والإسلامية لمدينة مكة المكرمة من خلال الدمج بين المواقع التراثية التقليدية والعناصر المعمارية الحديثة لتلبية المتطلبات المتنوعة للأعداد المتزايدة من السكان والزوار. لذا فإن كل جانب من جوانب هذا المشروع يأخذ بعين الاعتبار توفير كافة سبل الراحة للمقيمين والزائرين، وتحسين جودة الحياة، وترسيخ النمو المستدام في المدينة.
هذا المشروع لا يكتفي بحماية الهوية الإسلامية للمدينة فحسب، بل يحرص على بناء معالم حديثة تعود بالنفع على الأجيال القادمة، في وجهة جديدة ومتكاملة تراعي البُعد التاريخي وتصنع مستقبلًا يليق بمكانة المدينة التي تحنّ إليها قلوب جميع المسلمين حول العالم.
