بِقَلَمِ: لانا مُرَاد
#الكَاتِبَة_الصَّغِيرَة
إِنَّنَا فِي زَمَنٍ يَرْكُضُ يَا عَزِيزِي، زَمَنٍ يَجُرُّنَا مِنْ أَطْرَافِ قُلُوبِنَا دُونَ أَنْ يُمْهِلَهَا فُرْصَةً لِالتِقَاطِ أَنْفَاسِهَا. كُلُّ شَيْءٍ يَتَحَرَّكُ كَأَنَّهُ يَلْحَقُ بِمَوْعِدٍ ضَائِعٍ، حَتَّى العَلَاقَاتُ أَصْبَحَتْ مَحَطَّاتٍ نَمُرُّ بِهَا عَلَى عَجَلٍ؛ نُطِلُّ مِنْهَا لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ يَبْتَلِعُنَا الطَّرِيقُ قَبْلَ أَنْ نَدْرِي فِي أَيِّ نُقْطَةٍ يَجِبُ أَنْ نَتَوَقَّفَ… هَذَا إِنْ فَكَّرْنَا أَصْلًا أَنَّنَا نُرِيدُ أَنْ نَتَوَقَّفَ.
وَأَصْبَحَتِ العَلَاقَاتُ تُشْبِهُ تَطْبِيقَاتِ الِاشْتِرَاكِ… تُفْتَحُ كَنَافِذَةِ هَاتِفٍ، وَتُغْلَقُ كَإِشْعَارٍ صَامِتٍ، وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ. وَتَحَوَّلَتِ المَشَاعِرُ إِلَى تَجَارِبَ سَرِيعَةِ الهَضْمِ، لَكِنَّهَا تَتْرُكُ خَلْفَهَا جُوعًا لَا يَشْبَعُ؛ نُجَرِّبُهَا كَمَا نُجَرِّبُ الأَشْيَاءَ، تُفْتَحُ بِسُرْعَةٍ وَتُغْلَقُ بِسُرْعَةٍ، وِنَادِرًا مَا تُتِيحُ لَنَا أَنْ تَنْضُجَ فِينَا. نُحِبُّ بِسُرْعَةٍ تُشْبِهُ اللَّمْسَ لَا العِنَاقَ، وَنُغَادِرُ بِخِفَّةٍ لَا تُشْبِهُ الوِدَاعَ.
وَصِرْنَا نَحْتَاجُ وَسِيطًا لِنَشْعُرَ: مُوسِيقَى لِتَكْتَمِلَ دَمْعَتُنَا، وَمَقْطَعًا قَصِيرًا لِيَنْهَضَ مَا تَبَقَّى فِينَا مِنْ عَزِيمَةٍ. وَكَأَنَّ قُلُوبَنَا فَقَدَتْ مَهَارَتَهَا القَدِيمَةَ فِي الِاسْتِجَابَةِ، وَبَاتَتْ تَنْتَظِرُ مَنْ يُوقِظُهَا.
جِيلٌ كَامِلٌ يَخْتَبِرُ أَلْفَ شُعُورٍ وَهُوَ مُتَمَدِّدٌ عَلَى سَرِيرِهِ، يُمَرِّرُ إِصْبَعَهُ عَلَى شَاشَةٍ بَارِدَةٍ تُحَاوِلُ أَنْ تَتَقَمَّصَ دَوْرَ القَلْبِ. تَتَعَاقَبُ عَلَيْهِ المَقَاطِعُ كَالأَمْوَاجِ: مَوْجَةٌ تَضْغَطُ عَلَى رُوحِهِ، وَأُخْرَى تُضِيءُ لَحْظَةً ثُمَّ تَنْحَسِرُ، وَمَعْلُومَةٌ عَابِرَةٌ تُوهِمُهُ أَنَّهُ يَمْلَأُ وَقْتَهُ بِالمَعْنَى. لَكِنَّ الحَقِيقَةَ أَنَّنَا لَا نَشْعُرُ… نَحْنُ نَتَقَلَّبُ، كِتَابٍ تُقْلَبُ صَفَحَاتُهُ بِسُرْعَةٍ فَيَضِيعُ مَعْنَاهُ بَيْنَ الأَصَابِعِ.
نَعِيشُ بَيْنَ شَاشَتَيْنِ: وَاحِدَةٍ تَكْشِفُ العَالَمَ، وَأُخْرَى أَصْغَرَ تُحَاوِلُ أَنْ تَكْشِفَنَا… فَنُطْفِئُهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ. نَعْرِفُ مَا يَجْرِي خَارِجَنَا، وَنَجْهَلُ مَا يَجْرِي فِي أَعْمَقِ نُقْطَةٍ فِي صُدُورِنَا. كُلُّ شَيْءٍ قَابِلٌ لِلْمُشَارَكَةِ… إِلَّا مَا يَسْتَحِقُّ المُشَارَكَةَ فِعْلًا.
أَصْبَحَ الوُصُولُ إِلَى المَعْلُومَةِ بِلَا جُهْدٍ، أَمَّا الوُصُولُ إِلَى أَنْفُسِنَا فَأَصْبَحَ رِحْلَةً بِلَا خَرِيطَةٍ… لَا نُرِيدُ أَنْ نَخُوضَهَا.
نَحْمِلُ قُلُوبَنَا فِي جُيُوبِنَا… دَاخِلَ ضَوْءٍ. نَبْكِي عَبْرَ سَمَّاعَةٍ، وَنَضْحَكُ عَبْرَ تَطْبِيقٍ، وَنَفْتِّشُ عَنْ طُمَأْنِينَةٍ تُشْبِهُ الهَمْسَ بَيْنَمَا أَصْوَاتُ العَالَمِ كُلِّهِ تَرْتَفِعُ حَوْلَنَا. نَهْرُبُ مِنَ البُطْءِ لِأَنَّهُ يُعَرِّينَا، وَنَخْشَى الصَّمْتَ لِأَنَّهُ يَضَعُ وُجُوهَنَا أَمَامَ مِرْآةِ الأَسْئِلَةِ الَّتِي لَا نَمْلِكُ الشَّجَاعَةَ لِلْإِجَابَةِ عَلَيْهَا.
فَكُلُّ شَيْءٍ مُؤَقَّتٌ… حَتَّى الشُّعُورُ. كَأَنَّ لِكُلِّ إِحْسَاسٍ تَارِيخَ انْتِهَاءٍ مَكْتُوبًا بِحِبْرٍ خَفِيفٍ لَا يَظْهَرُ إِلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ. نَعِيشُ بِنِصْفِ قَلْبٍ، وَنَكْتُبُ بِنِصْفِ حَقِيقَةٍ، وَنَسِيرُ بِنِصْفِ ثِقَةٍ. وَمَعَ ذَلِكَ، وَرَغْمَ هَذَا الِازْدِحَامِ الَّذِي يُشْبِهُ مَدِينَةً لَا تَنَامُ، يَبْقَى دَاخِلَنَا شَيْءٌ صَغِيرٌ يَمُدُّ يَدَهُ نَحْوَ لَحْظَةِ صِدْقٍ بَطِيئَةٍ… لَحْظَةٍ تُعِيدُ لِلرُّوحِ تَرْتِيبَهَا بَعْدَ الخَرَابِ، وَلِلْمَعْنَى ثِقْلَهُ بَعْدَ الضَّيَاعِ، وَلِلْقَلْبِ مَلَامِحَهُ الأُولَى قَبْلَ أَنْ تَبْتَلِعَهُ السُّرْعَةُ.