بقلم : د.طلق المسعودي
الطب ليس مهنةً تُمارس بين جدران المستشفيات فحسب، بل هو رسالةٌ إنسانيةٌ سامية، تتغلغل في أدق تفاصيل الحياة، وتلامس جوهر الإنسان في لحظات ضعفه وألمه. الطبيب الحقّ هو من يُجيد الإنصات قبل التشخيص، ويُمارس الرحمة قبل المداواة، ويجعل من علمه جسراً للشفاء، لا سلّمًا للتعالي.
في إحدى زياراتي لعيادة الجراحة العامة إثر موعد مسبق بأحد المستشفيات الحكومية بمكة المكرمة ، التقيت بالطبيب راني الصيرفي، ذاك الذي لا يُعرّف باللقب ولا يُقاس بالدرجة، بل يُعرف بأثره في القلوب قبل الأجساد. منذ اللحظة الأولى، تشعر أنك أمام إنسانٍ قبل أن يكون طبيبًا؛ ابتسامةٌ هادئة، واستقبالٌ دافئ، وإنصاتٌ لا يُملّ، وشرحٌ يُزيل الغموض ويزرع الطمأنينة، حتى يشعر المريض أنه بين يدي أخٍ كبير أو قريبٍ حريص، لا مُجرد طبيب يؤدي واجبًا روتينيًا .
راني الصيرفي لا يُمارس الطب كوظيفة، بل يعيشه كرسالة. يجمع بين دقة العلم ورقة القلب، وبين صرامة المعرفة ونعومة الخُلق، حتى غدا أنموذجًا يُجسّد ما يجب أن يكون عليه الطبيب في وطنٍ يسعى للريادة والتميّز.
إن أمثال الدكتور راني هم المحرك الحقيقي لرؤية المملكة 2030، فهم من يُجسّدون جودة الحياة في أبهى صورها، ويحققون رضا المستفيد لا عبر الأرقام والتقارير، بل عبر الأثر الذي يتركونه في النفوس. هم من يجعلون من المستشفى بيئةً إنسانيةً قبل أن تكون علاجية، ومن الطب رسالةً وطنيةً تُسهم في بناء الإنسان قبل أن تُداوي جسده.
تذكّرت حينها قول الحكماء: “الشجرة المثمرة تُخفض أغصانها من ثقل ثمارها”، وهكذا هو الدكتور راني، كلما ازداد علمًا، ازداد تواضعًا، وكلما تعمّق في المهنة، تعمّق في الرحمة. على النقيض من أولئك الذين يرفعون رؤوسهم خُيَلاءً، وما هم إلا خواءٌ متعالي، لا علم فيه ولا خُلق. بل قد يجّرونك جرًا لمستوى أخلاقي لا يليق بك ولا بالمكان الذي ينتمون إليه.
إن وجود أمثال هذا الطبيب في ميدان الطب يُعيد الثقة في المهنة، ويُثبت أن الطب ليس مجرد علاجٍ للمرضى، بل هو رسالة حياةٍ تُكتب بالحكمة، وتُمارس بالعطاء، وتُخلّد بالرحمة.
فبمثل هؤلاء تُبنى جسور الثقة بين المريض والطبيب، وتُزهر ملامح الطب الحقيقي، ذلك الطب الذي لا يداوي الجسد فحسب، بل يُحيي الأمل، ويُنعش الروح، ويُجسّد رؤية وطنٍ يضع الإنسان في قلب التنمية، ويجعل من الرحمة والعلم توأمين لا يفترقان في خدمة الحياة.