في قلب القارة السمراء، حيث يلتقي النهران ليخطّا قصيدة الحياة على صفحة الأرض، انقلبت الحروف، وانكسر القلم، وتحوّلت القصيدة إلى مرثية دامعة تُتلى على أطلال وطنٍ يتهاوى كجبلٍ نخرته الريح.
السودان، ذاك البلد الذي كان يومًا مهدًا للحضارات، ومسرحًا لتلاقح الثقافات، صار اليوم ساحةً للخراب، وميدانًا للدماء، وغنيمةً تُنهشها أنياب الطمع، وتتنازعها الأيادي الملطخة بالجشع. تُقسم المدن كما تُقسم الغنائم في مجتمع اللصوص، تُنهب القرى كما تُنهب خزائن الملوك، ويُقتلع الناس من جذورهم كما تُقتلع الأشجار في موسم الإحتطاب.
الخرطوم، أم درمان، الجنينة، نيالا…
أسماء كانت تنبض بالحياة، وتغني للفرح، صارت اليوم عناوين للموت، وشواهد على مجازر لا تعرف الرحمة.
أطفالٌ يولدون تحت هدير القصف، ويموتون قبل أن يتذوقوا طعم الحليب،
أمهاتٌ يدفنّ أبناءهن بأيدٍ مرتجفة، ثم يهربن من قبورهم إلى المجهول،
فتياتٌ مُزق عنهن ثوب العفاف، فغدون عتبة لشهواتِ مجرمٍ غاشم،
وشيوخٌ يحدّقون في السماء، يهمسون بقلوبٍ مكسورة: “أين أنتم يا مسلمون؟ أين أنتم يا بشر؟”
والعالم؟
العالم يراقب من خلف الشاشات، يكتفي ببياناتٍ باردة، وقلقٍ معّرب، وتنديدٍ لا يُسمن ولا يُغني من جوع.
كأنّ السودان مجرد خبرٌ عابر في شريط الأخبار.
كأنّ دماء السودانيين لا لون لها، لا رائحة، لا وجع.
أما آن لهذا العالم أن يستيقظ ؟
أما آن له أن يدرك أن الخراب لا يعرف الحدود، وأن النار التي تشتعل في دارفور قد تمتد لتلتهم ما حولها؟
أما آن له أن يفهم أن الصمت في حضرة الجريمة، جريمة؟
وأن الحياد في زمن المجازر، خيانة؟
السودان لا يطلب صدقة، بل عدلًا يُعيد له كرامته.
لا يريد شفقةً تُسكّن الألم، بل إنصافًا يُوقف النزيف.
لا يبحث عن شهقة تعاطف، بل عن يدٍ تمتد لتنتشله من قاع المأساة.
السودان ينزف، فهل من ضميرٍ يصرخ؟
السودان يُغتصب، فهل من مُعتصمٍ يستجيب؟
السودان يُنهب، فهل من يدٍ تُقاوم؟